الجمعة، 5 أكتوبر 2012

الأستاذ علي التواتي ومقال عن مدينة الوجه في جريدة عكاظ


أخيرا رأيت الوجه الجميل
علي بن حسن التواتي
زرت الأسبوع الماضي مدينة الوجه الساحلية الشمالية الغربية لتقديم واجب العزاء في جدة أبنائي. والوجه ليست بالغريبة على والدي وبعض إخواني وثلاثة من أجدادي ــ رحمهم الله ــ ولكنها غريبة علي رغم أنها مسقط رأسي فقد تفتحت عيناي في مدينة طريف الشمالية الشرقية وانتهى المقام بي اعتبارا من سنة 1385هـ في عروس عرائس البحر الأحمر مدينة جدة العامرة.
ومع وصول الطائرة المبكر إلى الوجه استفاد مضيفي وخال أبنائي الأستاذ ناجي السبحي من الهدوء وقلة الحركة في تعريفي على بعض معالم المدينة الجميلة التي تتربع فوق رابية تتدرج في الانخفاض حتى تلتقي بالبحر الذي يبدو أنه يحبها فلا يطغى عليها حتى أنه حينما طغى ذات مرة في منطقة (زاعم) شكل على الشاطئ بحيرة زرقاء جميلة على شكل قوس تتكسر الأمواج على وتره العميق لتبقى البحيرة مستقرة هادئة قابلة للاستخدام كمسبح طبيعي محمي على مدار السنة.
أعود لجولتي السياحية التي بدأها مضيفي من المدينة القديمة حيث مازالت بعض معالمها قائمة ومحمية من بلدية الوجه ومن هيئة السياحة. وكانت نقطة البداية بيت جدي علي الذي سميت على اسمه. ذلك البيت القديم الذي يعود تاريخ إنشائه إلى أوائل القرن الهجري الماضي ومازال قائما يصارع عوامل التعرية من أجل البقاء. لقد كان بيتا صغيرا من طابقين وكنت أتخيله قصرا منيفا من كثرة ما سمعت عنه وعن الحياة فيه وعن الأيتام الذين شاركوا أهله العيش وتربوا فيه. حينها قلت في نفسي: لك الله يا جدي ورحمك رحمة واسعة إن أقل أحفادك يملك الآن بيتا أكبر من بيتك ولكن بيتك رغم قدمه يبقى البيت الأكبر والأهم لأنه جذر يضرب في أعماق الأصالة والعطاء وله من الشهرة والقيمة ما لم يتحقق لأي من بيوت أبنائك أو أحفادك. وفعلا يا جدي إن البيوت تكبر بأفعال رجالها لا بحجومها فبيوت الكبار تبقى كبيرة مهما صغرت وبيوت الصغار تبقى صغيرة مهما كبرت.
وخلال الجولة في شوارع الوجه جذب اهتمامي أمر آخر غير معالم المدينة ألا وهو النظافة الاستثنائية للشوارع. لقد كانت الشوارع نظيفة حد الصدمة خاصة أنني زرت مدنا عالمية كبيرة وصغيرة وأعرف أنها تتحول في الصباح الباكر إلى ورشة تنظيف كبيرة من مخلفات الليلة الماضية. ولكن الوجه كانت نظيفة جدا في الصباح الباكر وكأنما سافر أهلها الليلة البارحة بعد أن نظفوها تنظيفا دقيقا ليعودوا إليها في الصباح فيجدوها على نظافتها.
هذا المشهد للمدينة النظيفة كاد أن يختفي من مخيلتي بعد أن تراجع في ذاكرتي إلى حافة النسيان لمدن حجازية أخرى منها مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة التي كانت نظافة الشوارع والمرافق العامة فيها، حتى السبعينيات، جزءا لا يتجزأ من تراثها وتقاليدها الموروثة التي فقدتها ولم تتمكن من الحفاظ عليها في وجه الزحف الريفي والأجنبي المستمر عليها لتتحول إلى (مقالب) كبيرة للقمامة والصرف الصحي والمخلفات الأخرى دون حول لأهلها ولا قوة.
وعندما تدخل بيتا من بيوت الوجه تعرف كيف تمكن أهلها من الحفاظ على تقاليد النظافة الموروثة فيها. فالبيوت نظيفة جدا ولا يجرؤ أي من سكانها على رمي أية مخلفات في البيت أو في الشارع حتى أصبحت ثقافة النظافة هي السائدة دون أن يحس أي من أهل البلد أو المقيمين معهم بأنه يسلك مسلكا استثنائيا. وفي بيوت الوجه يعتبر تركيب شبك الحماية من الذباب على النوافذ غير ضروري فالذباب لا يحب النظافة وبالتالي هو لا يحب الوجه.
ولا شك بأن من تعاقبوا على رئاسة بلدية الوجه وجلهم من أهلها لم يكونوا استثناء من ثقافة النظافة السائدة فهم أصلا تربوا في بيوتها وتشبعوا بتقاليدها وثقافتها وموروثات عائلاتها الإيجابية الأخرى وبالتالي هم لا يخالفون طبيعتهم ولا قيم مجتمعهم التربوية حين يبذلون الجهود للحفاظ على مستوى النظافة في الشارع وفي المرافق العامة فهم يتصرفون أيضا من موقع المسؤولية على طبيعتهم...
هنيئا للوجه بمن بقي من أهلها في حواضرها أو بواديها ولم يستجب لمغريات الرحيل خلال طفرة أواخر السبعينيات الاقتصادية ومارافقها من تنمية غير متوازنة أجبرت معظم سكان المدن الصغيرة على الرحيل.. هنيئا للوجه بكم وهنيئا لكم بها وأرجو أن تعذروني إن لم أدعو للاستثمار السياحي في شواطئ مدينتكم الحالمة وفي جزرها وفي روابيها. إني أخشى عليكم وعلى عذرية حياتكم الجميلة خشية أهل مكة في الجاهلية من أبرهة والفيل ولا أريد أن أكون أبا رغال خاصة أنني لمحت بوادر استيلاءات وتشبيك على مساحات كبيرة من الشواطئ التي كانت بالأمس القريب مفتوحة لكم ولأبنائكم.. دمتم بخير يا أهلي الكرام وأترككم في رعاية الله الذي لا تضيع عنده أمانة.